محمد أبو زهرة
4556
زهرة التفاسير
عنه ، فلم يجداه ، ولم يكن الحوت ميتا ، بل كان حيا ؛ ولذا لما نسياه اتخذ طريقه في البحر سربا ، أي أنه أخذ يتقلب حتى وصل إلى البحر فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً ، والسرب المسلك ، وهو من سرب بمعنى سلك ، ويظهر أنه لم يقف عند مجمع البحرين ، بل اجتازه . ولذا قال تعالى : فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً ( 62 ) . كأنهما استمرا في سيرهما حتى جاوزا مجمع البحرين سارا برا ، حتى وصلا إليه ، ثم اجتازاه بعبوره في قارب حتى وصلا إلى البر الثاني دارسا متعرفا مرتادا . عندئذ أحس بالنصب ، والنصب جعلهما يحسان بالجوع ، والنصب هو التعب من الجهد المبذول ، وأضاف اللقاء إليهما ولم يقل نزل بهما التعب ؛ لأنه نصب مختار لهما ولطلبهما . والفتى هنا هو الخادم أو التابع ، والتعبير القرآني عن التابع أو الخادم بفتى ، ولقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لا تقل عبدي وأمتي ، بل قل فتاي وفتاتى » . قال ذلك موسى لفتاه ، ويظهر أنه قد علم غياب الحوت قبل أن يعلم موسى ، ولذا هو الذي أخبر بغيابه ، ولعله باشر حاله وهو يتخذ سبيله في البحر سربا ، ولذلك كان يعلم من بعد مكان غيابه ، وهو مكان بجوار صخرة ، فقال : قالَ أَ رَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً ( 63 ) . تبين أنه كان يعلم غيابه وتركه ، إذ أوى موسى إلى صخرة ، رقد عندها من التعب كما أرهق التعب الفتى أيضا ، فترك الحوت وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً ، أي أنه تركه فالنسيان هنا بمعنى الترك والذهول ، وما كان يحسب أنه سيتخذ طريقه إلى البحر بطريق عَجَباً ، فعجبا مفعول مطلق وصف لمصدر ، فاتخذ طريقه إلى البحر اتخاذا عجبا ، وما كان يحسب أنه سيفعل ذلك ، إذ كان في مكتل فخرج منه وأخذ طريقه إلى البحر .